ابن النفيس
23
المختار من الأغذية
شامل في العلوم الطبية ، وانعدمت الثقة في الأطباء . . حتى إن رجلا بائسا كتب على شاهد قبره : لقد متّ من كثرة الأطباء « 1 » . أما الصورة الأكثر قتامة ، فكانت في أمور العلاج النفسي ؛ فلم ينشأ هناك مستشفى واحد للمجانين قبل سنة 1409 ، إلى أن جاء راهب يدعى جان جوفر ، امتلأ قلبه عطفا على المجانين الذين كانت الغوغاء تتابعهم في الشوارع بصفير الاستهزاء ، فأنشأ أول مستشفى للمجانين « 2 » . . ثم أنشئت المستشفيات النفسية ، لكن حال المرضى النفسيين كان في غاية البؤس . وقد جمع ميشيل فوكوه في كتابه ( تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ) العديد من النصوص الخاصة بتلك المرحلة ، حيث كانت السلطات تقوم بعزل المجانين إلى جانب المتسولين والعاطلين والمحكوم عليهم تعسفيّا بالسجن ؛ فمن هذه النصوص نقرأ للطبيب الفرنسي إسكيرول Esquirol ( 1772 - 1840 ) وصفا يقول فيه : رأيت هؤلاء المخبولين عراة تغطيهم أسمال بالية ، وينامون على القشّ الرطب ، وكانوا محرومين من استنشاق الهواء النقي ، ومحرومين من ضروريات الحياة ، كما كانوا يستسلمون لحراس غلاظ القلب « 3 » . وكان العزل يمارس بشكل مستقل عن الطب ، وكان علاج هذه ( الأمراض السرية ) يعتمد على استخدام الزئبق كعنصر فعّال ضد المرض وضد الصحة في نفس الوقت ، فلا بد من إنهاك الصحة التي تمهّد لارتكاب خطيئة الجنون ! وهكذا نظر إلى الجنون على أنه ارتداد اختياري للطبيعة الحيوانية الشريرة ، ولا خلاص منه إلا بالموت ، ولذا احتوت سجلات بيوت العزل على عبارات منها : إن صحته تتدهور تدريجيّا ، ونتعشم أن يموت قريبا « 4 » . ومع ذلك ، فقد تطورت الجراحة بشكل مطّرد ، وأخذت المعرفة الطبية تحثّ الخطا ولكن : كان سير التطبيب أبطأ من سير المعرفة الطبية ، فما زال دجالو الطب يملأون
--> ( 1 ) ديورانت : قصة الحضارة ، الجزء الحادي والعشرون ، ترجمة محمد بدران ، ص 14 . ( 2 ) ديورانت : قصة الحضارة ، الجزء الثالث والعشرون ، ترجمة د / عبد الحميد يونس ، ص 139 . ( 3 ) Esquirol : Des etablissements consares aux alienes en France ( 1818 ) in Des maladies mentales , Paris 1838 II P . 134 . وهذا النص ذكره ميشيل فوكوه في ( تاريخ الجنون 9 ، ص 66 وترجمه د . جعفر : البنيوية بين العلم والفلسفة ) ص 64 . ( 4 ) د . جعفر : البنيوية بين العلم والفلسفة ، ص 178 .